أخلاقيات التسعير في السياحة العلاجية: حين تتحول الرعاية الصحية من رسالة إنسانية إلى صفقة تجارية
مما لا شك فيه أن إ ستغلال حاجة مرضى السياحة العلاجية ومضاعفة الأسعار على المرضى الأجانب هو ممارسة غير أخلاقية بكل المقاييس، ولا يمكن تبريرها اقتصاديًا أو مهنيًا، لأنها تضرب في صميم الثقة، وتهدم الصورة الذهنية لأي دولة تسعى لأن تكون وجهة محترمة ومستدامة في مجال السياحة العلاجية. فالمريض لا يسافر طلبًا للترف، بل هربًا من الألم، أو بحثًا عن فرصة علاج، أو أمل في حياة أفضل، وعندما يُقابل بالتمييز السعري لمجرد كونه أجنبيًا، تتحول التجربة العلاجية من فعل إنساني إلى شعور بالاستغلال.
في النماذج الصحية الرائدة عالميًا، لا يُنظر إلى المريض الأجنبي باعتباره “فرصة ربح مضاعف”، بل كمريض أولًا وأخيرًا. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، ورغم وجود نظام صحي وطني، فإن المستشفيات العامة والخاصة تلتزم بتسعير منطقي وشفاف، ولا تُضاعف تكلفة العلاج لمجرد اختلاف الجنسية. خدمات NHS تُقدم وفق لوائح واضحة، وأي رسوم إضافية لغير المقيمين تكون محددة ومعلنة، وترتبط بتكاليف فعلية لا بسياسة استغلال.
الأمر ذاته يتكرر في ألمانيا، إحدى أهم وجهات العلاج في أوروبا. فالمستشفيات الجامعية والمراكز المتخصصة تتعامل مع المرضى الدوليين وفق جداول أسعار دقيقة، تعكس مستوى الخدمة والتقنية الطبية، دون تمييز تعسفي. نظام الرعاية الصحية الألماني، الذي تشرف عليه مؤسسات مثل German Federal Ministry of Health، يقوم على مبدأ العدالة والشفافية، لأن الثقة جزء أصيل من جودة الخدمة الصحية، وليست عنصرًا تسويقيًا مؤقتًا.
وفي فرنسا، حيث تمتزج الخبرة الطبية بالبعد الإنساني، تلتزم المستشفيات الخاصة والعامة بسياسات تسعير منضبطة. قد تختلف التكلفة باختلاف نوع الغرفة أو سرعة الخدمة أو البرامج المخصصة، لكن لا توجد سياسة رسمية لمضاعفة السعر بسبب الجنسية. هذا النهج جعل فرنسا من الدول التي تحافظ على سمعة طبية قوية، وتستقبل مرضى من مختلف أنحاء العالم دون تشويه لصورتها الأخلاقية.
التمييز السعري في السياحة العلاجية لا يحقق مكاسب حقيقية على المدى البعيد. ربما يدر أرباحًا سريعة لمؤسسات أو أفراد، لكنه يخلق أثرًا سلبيًا تراكميًا:
يفقد المرضى الثقة في الوجهة العلاجية.
تنتشر التجارب السلبية عبر الإعلام ومنصات التواصل.
تتراجع المكانة الدولية للدولة كمركز طبي موثوق.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يتناقض مع جوهر المهنة الطبية، التي تقوم على الرحمة، والعدل، واحترام ضعف الإنسان في لحظة المرض. فالطبيب أو المؤسسة التي تستغل حاجة المريض إنما تهدم القيم التي قامت عليها الممارسة الطبية منذ نشأتها.
السياحة العلاجية ليست تجارة فندقية، بل قطاع حساس يتقاطع فيه الطب مع الأخلاق والإنسانية. والدول التي فهمت ذلك، مثل دول أوروبا، لم تصل إلى الريادة عبر الاستغلال، بل عبر بناء منظومات ثقة، وتسعير عادل، وجودة حقيقية. أما الدول التي تسلك طريق مضاعفة الأسعار للمرضى الأجانب، فإنها – دون أن تدري – تضع حجر الأساس لانهيار سمعتها العلاجية، مهما امتلكت من موارد طبيعية أو مهارات طبية.
للاسف يحدث ذلك في الدول التى تعافي قصورا في فهم أهمية صناعة السياحة الصحية كصناعة مستدامة بأنواعها المختلفة سواء السياحة العلاجية أو الاستشفاء البيئي
إن الطريق الصحيح لبناء سياحة علاجية ناجحة
ومستدامة يبدأ من احترام المريض، لا من استغلاله، ومن العدالة في التسعير، لا من التمييز، ومن الأخلاق، لا من الجشع.