الواقع المنقسم
كتب دكتور عبدالعاطي المناعي
في المجتمعات التي تبتلي بالحروب والانهيارات الكبرى، لا يكون الخراب دائمًا ما نراه بأعيننا لكن هناك خراب أكثر تدميرا ممن نراه بأعيننا كانهيار مبني أو انقطاع الكهرباء فنتيجة الصراعات قد تُهدم البيوت، وتتوقف المؤسسات، وتفرغ الشوارع، وتضيق سبل الحياة، لكن الخسارة الأكثر خطورة تبدأ حين ينتقل الانقسام من الجغرافيا إلى الإنسان نفسه، وحين يصبح الصراع الخارجي حالة نفسية وروحية مستمرة في داخل المجتمع وأفراده بمختلف أعمارهم واضع تحت أعمارهم خطوطا تؤلم النفس حين نتذكر الاطفال في مثل هذه الظروف
هذا هو «الواقع المنقسم»؛ واقع لا يعيش فيه الناس أزمة سياسية أو أمنية فحسب، بل يعيشون انقسامًا في الذاكرة، وفي المشاعر، وفي تفسير الأحداث، وفي تصور المستقبل وفي الإفراط في الحساسية علي مدار اليوم نتيجة احباطات داخلية كامنة بسبب الاحداث
في مثل هذه الظروف، لا يعود الإنسان هو الشخص ذاته الذي كانه قبل الحرب. تتغير علاقته بالمكان، وبالناس، وحتى بنفسه ويكون مضطربا قد لا يفرق بين الصديق والعدو المدينة التي كانت تعني له الأمان قد تصبح عنوانًا للخوف والبيت الذي كان رمزًا للاستقرار قد يتحول إلى ذكرى، والطريق الذي كان يعبره كل صباح قد يصبح شاهدًا على تجربة لا يريد استعادتها
المشكلة أن آثار الحروب لا تنتهي بانتهاء صوت السلاح فقد تصمت البنادق، لكن يبقى صوتها حاضرًا في الذاكرة ليس لشهر او عام ولكن ربما لأعوام طوال ... وقد تعود الكهرباء إلى المنازل، وتفتح الأسواق أبوابها، وتستأنف المؤسسات عملها، بينما يبقى الإنسان في داخله عالقًا في لحظة الخوف الأولى أن كان معاصرا لها من الاساس
وهنا يبدأ أخطر أشكال الانقسام: الانقسام النفسي
فالإنسان الذي عاش طويلًا تحت التهديد يتعلم الحذر كوسيلة للبقاء. يصبح أكثر شكًا في الآخرين، وأكثر حساسية تجاه الأخبار، وأكثر استعدادًا لتوقع الخطر حتى في اللحظات الهادئة وقد يبدو للآخرين أنه عاد إلى حياته الطبيعية، بينما يعيش داخله حالة من التأهب المستمر
الخوف حين يطول لا يبقى مجرد شعور عابر، بل يتحول إلى طريقة في التفكير
وهذا ما يجعل المجتمعات الخارجة من النزاعات بحاجة إلى ما هو أبعد من إعادة البناء المادي وهو إعادة بناء الإنسان
فإصلاح طريق أو مدرسة أو مستشفى عملية يمكن قياسها بالوقت والميزانية، أما إصلاح الخوف المتراكم في النفوس، وإعادة بناء الثقة بين الناس، فمهمة أكثر تعقيدًا وتحتاج لزمن اطول
ثم يأتي الانقسام الروحي، وهو أقل وضوحًا لكنه أكثر عمقًا
فالإنسان في زمن الانهيار يفقد أحيانًا المعنى الذي كان يمنحه للحياة يسأل نفسه عن قيمة الانتماء، وعن معنى الوطن، وعن حدود التسامح، وعن جدوى الأحلام التي كان يحملها
وقد يجد نفسه واقعًا بين مشاعر متناقضة: يحب المكان لكنه غاضب منه، يشتاق إليه لكنه يخاف العودة إليه، يريد أن ينسى لكنه يشعر أن النسيان خيانة لمن فقدهم، ويريد أن يسامح لكنه لا يستطيع تجاوز ما حدث
هذا التناقض لا يصنع ضعفًا في الإنسان، بل يعكس حجم الجرح الذي يحمله
ومن أخطر نتائج الواقع المنقسم أن الناس لا يعودون مختلفين فقط حول السياسة، بل حول الحقيقة نفسها
كل مجموعة تمتلك روايتها الخاصة، وكل طرف يرى الأحداث من زاوية مختلفة، ومع الوقت تتحول الروايات إلى هويات مغلقة يصبح الاعتراف بألم الآخر وكأنه إنكار لألم الذات، وتصبح الرحمة موقفًا سياسيًا، ويتحول الحزن الإنساني إلى مادة للصراع حتي مع اقرب واحب الناس اليه
هنا يصبح المجتمع أمام مأزق حقيقي
فالضحايا جميعًا يحتاجون إلى الاعتراف بمعاناتهم، لكن الخطر يبدأ حين يدخل الألم نفسه في منافسة، وحين يسأل الناس: من تألم أكثر؟ ومن يستحق التعاطف أكثر؟
لا توجد أوطان تُشفى بهذه الطريقة
الألم لا يحتاج إلى ترتيب، والضحايا لا يحتاجون إلى تصنيف
حين يتحول الموت إلى رقم تابع لهوية، وحين يصبح التعاطف مشروطًا بالانتماء، نكون قد انتقلنا من أزمة سياسية إلى أزمة أخلاقية وما أكثر الأزمات الأخلاقية في فترات الحروب
كما أن الواقع المنقسم يعيد تشكيل اللغة
الكلمات التي كانت محايدة تكتسب معاني جديدة الأسماء والمناطق والانتماءات تتحول إلى إشارات تُقرأ قبل الإنسان نفسه وقد يصل الأمر إلى درجة لا يرى فيها الفرد الشخص الذي أمامه كإنسان أولًا، بل يراه باعتباره ممثلًا لجماعة أو منطقة أو موقف سياسي
وهنا يصبح الانقسام أكثر خطورة من الحرب ذاتها
لأن الحروب قد تتوقف باتفاق، لكن الصور النمطية والكراهية والشكوك يمكن أن تستمر لعقود إن لم توضع حلول جذرية تعالج اصل المشكلة التي أدت إلي الحرب
ولهذا فإن أي مشروع جاد لبناء السلام يجب أن يبدأ من الإنسان، وليس فقط من المؤسسات
السلام ليس وثيقة توقع، ولا صورة تجمع المتخاصمين، ولا خطابًا رسميًا يعلن انتهاء النزاع السلام الحقيقي يبدأ حين يستطيع الطفل أن يكبر من دون أن يرث كراهية لم يصنعها، وحين يستطيع الجار أن يثق بجاره مرة أخرى، وحين يشعر الإنسان أن كرامته لا تعتمد على هويته أو موقعه أو موقفه
لا يمكن إعادة بناء مجتمع منقسم من دون عدالة، لأن مطالبة الناس بالنسيان قبل الاعتراف بما تعرضوا له لا تصنع مصالحة، بل تؤجل الانفجار وإعادته مرة أخرى ولو طال الزمن
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تتحول العدالة إلى اسم آخر للانتقام
العدالة التي تبني المجتمعات هي التي تحمي الذاكرة دون أن تجعل منها سلاحًا، وتعترف بالضحايا دون أن تصنع ضحايا جددًا، وتمنع الإفلات من المسؤولية دون أن تحول المجتمع كله إلى ساحة محاكمة مفتوحة
المصالحة الحقيقية لا تعني محو الماضي، بل وضعه في مكانه الصحيح
أن نتعلم منه بدل أن نعيش داخله
أن نحفظ أسماء من فقدناهم، لكننا لا نورث أبناءنا أسباب موتهم
أن نتذكر ما حدث، لكننا لا نسمح لما حدث أن يحدد إلى الأبد ما سيحدث
وهناك مسؤولية كبيرة تقع على المثقفين والإعلاميين والقيادات الاجتماعية والدينية والأكاديمية، لأن اللغة في مراحل الانقسام يمكن أن تكون دواءً أو وقودًا
كلمة واحدة قد تهدئ مجتمعًا، وأخرى قد تفتح جرحًا جديدًا وتصنع عداوات لا أصل ولا سبب لها إلا تفسير الكلمة بشكل خاطئ يخدم المفسر فيها نفسه بحصوله علي تقدير أو قداسه نتيجة الهاماته الخاطئة
المجتمعات الجريحة لا تحتاج إلى مزيد من التحريض، بل إلى فهم مستنير وخطاب يعيد الإنسان إلى مركز المشهد. خطاب يسأل عن الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، وعن الأطفال الذين حملوا ذكريات لا تناسب أعمارهم، وعن الأسر التي تفرقت، وعن كبار السن الذين فقدوا بيوتهم، وعن ملايين البشر الذين أصبحوا يحملون كلمة «العودة» وكأنها حلم بعيد
وأكثر ما تحتاجه هذه المجتمعات هو استعادة الثقة
استعادة الثقة
استعادة الثقة
الثقة ليست شعارًا، ولا تُفرض بقانون إنها تُبنى من خلال العدالة، والشفافية، والاعتراف، والإحساس بأن الجميع شركاء في المستقبل المواطن والصديق والحليف والمتعاطف
وحين يشعر الإنسان أن صوته مسموع، وأن كرامته محفوظة، وأن ألمه لا يُستهان به، تبدأ المسافة بينه وبين الآخر في التضاؤل بشكل حقيقي
الواقع المنقسم ليس قدرًا دائمًا
المجتمعات تستطيع أن تتعافى، حتى بعد أقسى التجارب، لكنها تحتاج إلى الشجاعة كي تواجه جراحها بدل أن تخفيها
وتحتاج إلى أن تنتقل من سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف نستعيد الإنسان؟»
فالأوطان لا تنهض فقط بإعادة بناء الجسور والمستشفيات والمدارس المنهارة بل بإعادة بناء الإنسان الذي سيعبر تلك الجسور، ويدخل تلك المستشفيات، ويرسل أبناءه إلى تلك المدارس
وحين يعود الإنسان إلى رؤية الآخر باعتباره شريكًا في الحياة لا خصمًا فيها، يبدأ المجتمع في الخروج من أزمته
عندها فقط يصبح المستقبل ممكنًا
فأخطر الحروب ليست تلك التي تدور في الشوارع، بل تلك التي تستقر في النفوس بعد أن تنتهي المعارك.
وأعظم انتصار ليس أن يصمت السلاح، بل أن تتصالح الأرواح، وأن يعود الناس إلى الإيمان بأن ما يجمعهم يمكن أن يكون أقوى مما فرّقهم