حين يصبح الإنسان غريبًا عن حياته
حين يصبح الإنسان غريبًا عن حياته
بقلم: د. عبدالعاطي المناعي
كثير منا من جربوا الغربة في حياتهم لكن يبقي أصعب أنواع الغربة ليست أن تبتعد عن وطنك، ولا أن تسافر إلى مدينة لا تعرف شوارعها، بل أن تستيقظ ذات يوم فتشعر أنك غريب عن حياتك نفسها؛ تمارس عاداتك، تذهب إلى عملك، تلتقي الناس، تبتسم حين يجب أن تبتسم، وتجيب حين يسألك أحد: كيف حالك؟ لكنك في داخلك لا تعرف متى ابتعدت عن نفسك إلى هذا الحد الذي تحس فيه انك غريب عنك
يحدث ذلك ببطء، ولهذا لا ننتبه إليه تبدأ الحكاية بتنازل صغير عن حلم، ثم تأجيل رغبة، ثم قبول يوم لا يشبهنا، ثم أيام تتكرر حتى يصبح ما كان مؤقتًا أسلوب حياة
نصحو في المواعيد التي يحددها الآخرون، نركض وراء ما يعتبره المجتمع نجاحًا، وننفق سنواتنا في إثبات أشياء لم نسأل أنفسنا أصلًا إن كانت تستحق الإثبات ام لا
لقد أصبح الإنسان المعاصر مشغولًا بدرجة تكاد تمنعه من إحساسه بالحياة هاتفه لا يصمت، عمله يطارده إلى بيته، الأخبار تدخل غرفته، وصور الآخرين تقتحم رأسه كل لحظة
يعرف أين سافر فلان، وماذا اشترى آخر، ومن نجح ومن تزوج ومن اشتهر، لكنه قد لا يعرف ما الذي يريده هو فعلًا وكأننا أصبحنا خبراء في متابعة حياة الجميع، وجهلاء بتفاصيل حياتنا
الغريب أن الإنسان قد يملك أشياء كثيرة ويشعر مع ذلك بالفراغ الشديد الازعاج قد يصل إلى منصب كان يحلم به، أو يجمع المال، أو يحقق شهرة، ثم يكتشف أن الوصول لم يمنحه الشعور الذي توقعه ولا حقق شيئا كان يحلم به سابقا
السبب بسيط: ليست كل الأحلام أحلامنا، ولكن بعض الأهداف زرعها فينا الآخرون حتى ظننا أنها رغباتنا
أن تكون غريبًا عن حياتك يعني أن تنظر في المرآة فلا تسأل: من هذا؟ بل تسأل: متى أصبحت هكذا؟ متى توقفت عن الأشياء التي أحبها؟ متى فقدت دهشتي؟ متى أصبحت أيامي متشابهة إلى درجة أنني لا أذكر منها شيئًا؟
والخطر الحقيقي ليس في الضياع، بل في الاعتياد عليه فالإنسان يستطيع أن يتكيف حتى مع ما يؤذيه قد يعتاد علاقة تستنزفه، وعملًا يطفئه، ومكانًا لا يقدره، وحياة لا تشبهه، ثم يدافع عنها فقط لأنه يخشى التغيير
أحيانًا لا تكون القيود حولنا، بل داخلنا؛ نصنعها من الخوف، ومن كلام الناس، ومن السؤال القاسي: ماذا سيقولون؟
في الحقيقة المجردة إن العودة إلى الذات لا تحتاج دائمًا إلى قرارات صاخبة
فقد تبدأ بساعة هادئة بعيدًا عن الهاتف، أو بكتاب نحبّه، أو بمكالمة مع شخص نفتقده، أو بقول «لا» لما يستنزفنا، و«نعم» لما يعيد إلينا شعورنا بالحياة وفقط
وقد تبدأ بسؤال بسيط وصادق: لو لم أكن أخشى أحدًا، كيف كنت سأعيش؟
نحن لا نملك عمرين؛ واحدًا للتجربة وآخر للحياة الحقيقية
بل نملك عمرا وحياة واحدة اما ان تكون أو لا تكون
هذه هي الحياة، بأيامها وساعاتها المتناقصة، وفرصها المحدودة، ووجوهها التي تتغير وكل يوم نعيشه بعيدًا عن أنفسنا هو مسافة إضافية بيننا وبين الشخص الذي كان يمكن أن نصبحه
لا يعني ذلك أن نهرب من المسؤوليات أو نطارد المتعة فقط، بل أن نجد داخل المسؤولية معنى، وداخل العمل هدفًا، وداخل العلاقات صدقًا، وداخل الوقت مساحة لنا تلبي احتياجاتنا فالحياة ليست في كثرة ما نفعل، بل في شعورنا بأن ما نفعله يحمل شيئًا منا
وأحيانًا نحتاج إلى شجاعة مختلفة؛ ليست شجاعة مواجهة الناس، بل مواجهة أنفسنا بالحقيقة
أن نعترف بأن بعض الطرق لم تعد تناسبنا، وأن بعض النجاحات لم تسعدنا، وأن بعض العلاقات انتهى معناها، وأن استمرارنا فيها ليس وفاءً بل خوفًا
النضج ليس أن نستمر دائمًا، بل أن نعرف متى نغيّر الاتجاه، ومتى ننقذ ما تبقى من أعمارنا من حياة اعتدناها ولم نعد نحبها
فالصدق والمصارحة والمصالحة مع النفس بداية كل عودة حقيقية
ربما نحتاج من حين إلى آخر أن نتوقف ونسأل أنفسنا: هل هذه حياتي فعلًا، أم حياة صممتها توقعات الآخرين؟ هل أمشي في الطريق الذي اخترته، أم في الطريق الذي دفعوني إليه؟
فالإنسان قد يتحمل غربة المكان، لكنه لا ينبغي أن يقبل غربة الروح فهي من الصعوبة بمكان وأجمل عودة في العمر ليست العودة إلى بيت قديم أو مدينة بعيدة، بل أن يعود الإنسان إلى نفسه، فيتعرف إليها من جديد، ويصافحها بعد غياب، ثم يقرر أن يعيش ما بقي من عمره حاضرًا في حياته، لا مجرد متفرج عليها