حراس التاريخ في عيدهم أحفاد بُناة الأهرام يكتبون دستور السيادة الوطنية على رمال مصر
د. محمد عبد المقصود: "الأمن الأثري خط أحمر.. ونحتاج ثورة إدارية لتمكين جيل جديد من الاثريين- كتب مجدى الجندى
في الرابع عشر من يناير كل عام تحتفي مصر بـ عيد الأثريين وهو اليوم الذي يخلد ذكرى تعيين أول مصري رئيساً لمصلحة الآثار في عام 1953 هذا العيد
ليس مجرد احتفال بروتوكولي بل هو صرخة اعتزاز بجيل حوّل استخراج التاريخ من يد الهواة والأجانب إلى يد العلماء والمصريين مؤكدين أن الآثار ليست ذهباً يُباع بل رسائل بقاء وحائط صد ضد محاولات تزييف الهوية
وضع الأستاذ الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل العمل الميداني وحماية المواقع الأثرية مؤكداً أن السيادة الوطنية على الآثار لا تتحقق بالشعارات بل بإصلاح مؤسسي وأمني شامل
أكد د عبد المقصود أن حماية الكنوز المصرية تتطلب وقفة جادة قائلاً أتمنى وبشكل عاجل زيادة عدد المخازن الأثرية في كافة محافظات الجمهورية لتخفيف التكدس وتأمين المكتشفات الجديدة مع ضرورة تعزيز التأمين البشري ومنظومات الكاميرات الرقمية داخل وخارج المخازن والمناطق الأثرية فالحجر الذي يضيع لا يمكن استرداده وأمن الآثار هو أمن قومي في المقام الأول
انتقل عبد المقصود بحديثه إلى الملف الإداري مطالباً بـ إعادة هيكلة قطاعات المجلس الأعلى للآثار وتوزيع الدرجات الوظيفية بنسب عادلة تضمن لكل قطاع فني القيام بمهامه وأضاف يجب إعادة الإدارات التي تم فصلها إلى قطاعاتها المختصة لضمان وحدة القرار الفني مع ضرورة التوزيع الجغرافي العادل للأثريين على المناطق الأثرية ومنع ظاهرة تفريغ بعض المناطق من كوادرها لما يمثله ذلك من خطورة بالغة على سلامة العمل الميداني
وحذر د عبد المقصود من الفراغ الذي خلفه خروج أعداد كبيرة من حراس الآثار إلى المعاش قائلاً نحن أمام تحدٍ كبير فالمناطق الأثرية أصبحت بلا حراسة كافية وهو ما يتطلب تعيين دفعات جديدة من الحراس فوراً وفي الوقت ذاته يجب إيجاد فرص عمل حقيقية لآلاف الخريجين من كليات الآثار خاصة في المناطق النائية والحدودية فهم الطاقة الشابة القادرة على حماية وتوثيق تاريخنا
وفيما يخص التمثيل الدولي طالب بوضع ضوابط صارمة تضمن العدالة قائلاً يجب تحديد نسبة كبيرة لمرافقة المعارض الأثرية الخارجية تضمن تداول الفرص واستفادة أكبر عدد ممكن من الأثريين ليكون السفر وسيلة لتبادل الخبرات الدولية وليس حكراً على فئة دون غيرها
واختتم د محمد عبد المقصود قائلاً إن الأثري المصري هو جندي يحمي ذاكرة العالم ومن حقه أن يعمل في بيئة إدارية مستقرة ومواقع مؤمنة ومنظومة تضمن له حياة كريمة وتطوراً مهنياً مستمراً
ويؤكد الأستاذ الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار أن الأثري المصري هو جندي مرابط على ثغور الهوية ويقول إن اختيار 14 يناير عيداً لنا هو تتويج لمعركة استقلال الهوية فمنذ اللحظة التي استردت فيها مصر إرادة التنقيب والإدارة من أيدي البعثات الأجنبية التي كانت تنظر لآثارنا كغنائم بدأنا عصر السيادة الوطنية على التاريخ الأثري ليس موظفاً يوقع في دفاتر الحضور والانصراف بل هو الفدائي الذي يتحمل شمس الصحراء وقسوة المواقع البعيدة ليمنح الخلود لأجداده
د مصطفى نور الدين من الرمال إلى الساحة الدولية كيف نصنع قوة مصر الناعمة عبر الذكاء الاصطناعي
من جانبه يطرح الدكتور مصطفى نور الدين الباحث بهيئة الآثار المصرية رؤية تحليلية حول دور الأثري الشاب في حماية التراث من التزييف واستخدام التكنولوجيا الحديثة قائلاً
خلف كل كشف أثري حكاية لم تروها الرمال بعد هي حكاية العرق والدموع في المواقع الحدودية والبعيدة حيث يواجه الأثريون مخاطر الطبيعة لحماية إرث البشرية نحن اليوم في معركة ضد تزييف الحضارة الذي تمارسه دويلات وجماعات تحاول السطو على منجزات الصانع المصري القديم لذا فإن عيدنا هو عيد المقاتل الأثري الذي يثبت للعالم يومياً أن دقة الصناعة المصرية عبر العصور هي ماركة مسجلة باسم هذا الشعب وحده
ويستطرد د نور الدين حول دمج التكنولوجيا لا ينفصل الأثري المصري عن عصره نحن نستخدم الآن النمذجة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي ليس فقط للاكتشاف بل لترميم وتوثيق الآثار لضمان بقائها لآلاف السنين القادمة إن جعل المواطن العادي يشعر بالفخر الذي نشعر به هو تحدينا الأكبر وهذا لن يحدث إلا بتحويل المواقع الأثرية إلى منارات تعليمية وتثقيفية تجعل الطفل المصري يدرك أن جده كان مهندساً وطبيباً وفلكياً وليس مجرد صاحب مومياء
ويوجه نور الدين الدعوة لتحويل البعثات المصرية إلى قوة ناعمة عالمية قائلاً علينا الاستمرار في الهيمنة على النشر العلمي الدولي وتقديم الاكتشافات برؤية عصرية تخاطب العالم بلغتهم وتؤكد أن الأيدي التي رممت طريق الكباش والمتحف المصري الكبير هي ذاتها الأيدي التي شيدت الأهرامات قبل آلاف السنين
وفي إطار تعزيز هذا الدور الوطني يشدد الدكتور مصطفى نور الدين على أن حماية التاريخ تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يضمن للأثريين بيئة عمل كريمة تبدأ بتوفير مقار إدارية لائقة تليق بهيبة العمل الأثري ووضع منظومة مرتبات عادلة تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وأعباء الحياة الصعبة كما يؤكد نور الدين أن حوكمة المؤسسة الأثرية لن تتحقق إلا بـ اختيار القيادات وفق آلية شفافة تعتمد كلياً على الكفاءة والخبرة الميدانية وذلك من خلال لجان متخصصة تضمن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لضمان استمرارية العطاء والتميز
د نيفين جلال الأثري هو سفير الحضارة وعيدهم هو تذكير بضرورة الربط بين البحث العلمي وريادة الأعمال السياحية
وبمناسبة عيد الأثريين تؤكد الأستاذة الدكتورة نيفين جلال عميد كلية السياحة والفنادق السابق بجامعة قناة السويس أن الأثري ليس مجرد باحث في الماضي بل هو المحرك الأساسي لصناعة السياحة التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري وتقول
عيد الأثريين في 14 يناير هو احتفاء بالهوية العلمية لمصر إننا في الجامعات لا نخرج مجرد منقبين بل نعدّ سفراء حضارة منوط بهم شرح عبقرية الإنسان المصري للعالم إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم هو كيفية تحويل العلم الأثري من حيز النشر الأكاديمي إلى قوة ناعمة تخدم القطاع السياحي بحيث يصبح كل كشف أثري بمثابة منتج سياحي متكامل يجذب أنظار العالم
وتضيف د نيفين جلال
إن دقة الصناعة المصرية عبر التاريخ هي مادة ترويجية لا تُقدر بثمن والأثري المصري هو الوحيد القادر على فك شفراتها لذا نؤكد في هذا العيد على ضرورة تكامل الأدوار بين الميدان الأثري والجامعة لتمكين الخريجين من أدوات التكنولوجيا الحديثة واللغات ليكونوا حائط صد ضد محاولات تزييف التاريخ من جهة ومسوقين محترفين لعظمة مصر من جهة أخرى إن الفخر الذي يشعر به الأثري عند لمس الحجر يجب أن ننقله للمواطن البسيط ليدرك أن هذه الآثار هي رسائل بقاء تمنحنا السيادة والريادة بين الأمم
وتختتم قائلة تحية لكل يد مصرية صانت أثراً أو رممت لوحة فأنتم تمنحون أجدادنا الخلود وتمنحون أحفادنا الأمل في مستقبل مبني على جذور صلبة
وجه الباحث في التاريخ الأفريقي الحديث إسلام نجم الدين رسالة تقدير واعتزاز إلى حماة التراث الإنساني من الأثريين والمرممين المصريين واصفاً إياهم بالأبطال الذين يعيدون صياغة خريطة الحضارة العالمية من تحت رمال مصر
وأكد نجم الدين أن هؤلاء المبدعين
لا يكتفون بإظهار عظمة الصانع المصري ودقة صناعته عبر العصور بل هم المنوط بهم التصدي لمحاولات تزييف الحضارة التي تسعى إليها جماعات وكيانات تحاول السطو على الإرث المصري التاريخي ونسبه لأنفسها
إن عيد الأثريين المصريين هو تذكير بأن من لا يملك مفاتيح ماضيه لا يملك قرار مستقبله تحية لكل أثري ومرمم يحمل فرشاته كأنها سلاح ويحرس مقبرة كأنها عرض أمة ليظل الصانع المصري دائماً هو المعلم الأول للتاريخ الإنساني