حين يختلّ الميزان

حين يختلّ الميزان

ليست المشكلة دائمًا في الأشياء الكبيرة، بل في اختلال المواضع
فالحياة، في جوهرها، تقوم على نوع من التوازن الخفي؛ لكل شيء مكانه، ولكل قدرة مجالها، ولكل إنسان مساحة يستطيع أن يملأها بجدارة وحين يختل هذا التوازن، لا يظهر الخلل في اللحظة الأولى، لكنه يبدأ ببطء في تغيير شكل المكان كله
قد يبدو المقعد ثابتًا، والمشهد كاملًا، والهيئة منضبطة، لكن الصورة لا تكون صحيحة لمجرد أن عناصرها موجودة أحيانًا يكون الخلل في العلاقة بين الشيء وموقعه؛ بين حجم المسؤولية واتساع القدرة، وبين ما يتطلبه المكان وما يستطيع صاحبه أن يمنحه
ثمة مواقع لا تصنع الإنسان، بل تكشفه
تكشف مقدار صبره، وعمق رؤيته، وقدرته على الاختيار، وصلابته أمام اللحظات التي لا تنفع فيها المجاملات ففي الأوقات الهادئة يمكن لكثيرين أن يبدوا صالحين للقيادة، لكن لحظة القرار وحدها تفرّق بين من يحمل الموقع، ومن يحمله الموقع
والضعف حين يسكن موقعًا كبيرًا لا يعلن عن نفسه صراحة. لا يقول: أنا عاجز. بل يظهر في صورة تردد، أو تأجيل، أو خوف مبالغ فيه من الرأي الآخر
وقد يتخفى أحيانًا خلف الصمت، وأحيانًا خلف كثرة الكلام، وأحيانًا خلف التشبث بالشكليات،لا بالمضمون خوفا علي موقعه وقد نسي أن الموقع لن يدوم ولو دام للسابق لما وصله هو
لأن الشكل هو الملاذ الأخير لمن لا يملك جوهرًا كافيًا
والإنسان الذي يشعر في داخله أن المساحة أوسع من قدرته قد يصبح أكثر حساسية تجاه الآخرين. فالكفاءة من حوله لا تمنحه الطمأنينة، بل تقلقه والرأي المستقل لا يثريه، بل يربكه والنجاح الذي يصنعه غيره قد يراه خصمًا لصورته، لا إضافة للمكان الذي ينتمي إليه
ولهذا لا تبدأ بعض المؤسسات في الانحدار بسبب قرار كارثي واحد، بل بسبب سلسلة طويلة من الاختيارات الصغيرة. يُستبعد القادر لأنه صعب الانقياد، ويُقرّب الهادئ لأنه لا يسأل، ويصبح الانسجام أهم من الحقيقة، والولاء أهم من الكفاءة، والسلامة الشخصية أهم من مصلحة المكان
ومع الوقت تتبدل طبيعة المؤسسة نفسها. يتعلم الناس أن النجاة أهم من المبادرة، وأن الصمت أكثر أمانًا من الرأي، وأن القرب من صاحب القرار قد يكون أنفع من إتقان العمل. وهكذا لا يعود الخلل متعلقًا بشخص واحد، بل يتحول إلى ثقافة تتكاثر فيها الرداءة وتحاصر أصحاب القدرة
وليس في هذا كله حكم أخلاقي على الأشخاص بقدر ما هو سؤال عن المواضع
فقد يكون الإنسان كريم الخلق، حسن النية، محبوبًا بين الناس، لكنه لا يصلح لكل مهمة. والمأساة تبدأ حين نخلط بين صلاح الإنسان في ذاته وصلاحيته لكل موقع. فالطيبة لا تعني القدرة على القيادة، والإخلاص لا يعوض نقص الخبرة، وحسن النيات لا يكفي عندما تصبح حياة الآخرين وحقوقهم ومستقبل المؤسسات معلقة بقرار
الحكمة الحقيقية ليست أن نمنح الناس ما يرغبون فيه، بل أن نضعهم حيث يمكن أن ينجحوا
فحين يوضع الشيء في موضعه الصحيح، يبدو طبيعيًا إلى درجة أننا لا نلتفت إليه أما حين يوضع في غير مكانه، فإن كل ما حوله يبدأ في بذل جهد إضافي لتعويض الخلل
وهنا تصبح المشكلة أعمق من شخص يشغل موقعًا؛ تصبح مشكلة ميزان اختل، لأن المواقع حين لا تُمنح وفق القدرة، تدفع المؤسسات ثمن المجاملة، ويدفع المجتمع ثمن الصمت
وما أكثر الأماكن التي لا تحتاج إلى مزيد من الأشخاص، بل تحتاج فقط إلى أن يعود كل شيء إلى موضعه الصحيح
فالمكان الكبير لا يصغر عندما يشغله من هو أصغر منه...
لكن كل ما حوله يبدأ في الانكماش