الخلاف مع الحقيقة

الخلاف مع الحقيقة

ليست كل الخلافات بين البشر خلافات في الرأي، فبعضها خلاف مع الحقيقة ذاتها، حين يرفض الإنسان أن يرى ما هو واضح، لا لأنه يجهله، بل لأنه لا يريد الاعتراف به. وهنا تتحول المشكلة من اختلاف مشروع في وجهات النظر إلى صراع بين ما نعرفه وما نرغب في تصديقه

الحقيقة لا تحتاج إلى إجماع حتى تصبح حقيقة، ولا تفقد قيمتها حين ينكرها الجميع. فالشمس لا تغيب لأن أحدهم أغلق عينيه، والوقائع لا تتغير لأننا أعدنا صياغتها بما يناسب مصالحنا أو يريح ضمائرنا

وأخطر ما يصيب الإنسان ليس جهله بالحقيقة، بل معرفته بها ثم محاولته الالتفاف حولها. فقد يقضي سنوات يدافع عن رواية يعلم في أعماقه أنها زائفة، ويختلق التبريرات، ويستدعي الشهود، ويخاصم كل من يقترب من الحقيقة، حتى يصبح الدفاع عن الكذبة أهم لديه من الدفاع عن كرامته

هناك من يختلف معك لأنه يرى الأمور من زاوية أخرى، وهذا اختلاف يستحق الاحترام، وهناك من يختلف معك لأنه يخشى أن يؤدي اعترافه بالحقيقة إلى سقوط الصورة التي رسمها لنفسه أمام الآخرين. وبين الاثنين مسافة أخلاقية شاسعة، فالأول يبحث عن الصواب، أما الثاني فيبحث عن النجاة من الاعتراف بالخطأ

وقد يكون الخلاف مع الحقيقة أشد قسوة حين يأتي ممن نثق بهم، لأننا لا نتألم فقط مما حدث، بل من إصرار صاحبه على إنكار ما حدث. فالكذب قد يجرح الثقة مرة، أما الإصرار عليه فيعيد الجرح كلما حاول أن يلتئم. وربما يغفر الإنسان خطأ صريحا، لكنه يعجز عن الاطمئنان إلى من يجعل من الإنكار منهجا ومن التبرير أسلوب حياة

والأمر لا يقتصر على الأفراد، فالمجتمعات أيضا قد تدخل في خصومة طويلة مع حقائقها. تتجاهل أسباب أزماتها، وتبحث عن شماعات تعلق عليها إخفاقاتها، وتستبدل مواجهة الواقع بصناعة روايات مريحة. وهكذا تتراكم الأخطاء حتى تصبح الأزمات أكبر من قدرة الكلمات على إخفائها

إن الاعتراف بالحقيقة لا يعني الهزيمة، بل يمثل أحيانا أشجع انتصار يحققه الإنسان على نفسه. فليس عيبا أن نخطئ، ولا مذلة أن نراجع مواقفنا، وإنما العيب أن نعرف الصواب ثم نحاربه حفاظا على كبرياء زائفة

ولعل أعظم مظاهر النضج أن نستطيع التفريق بين الحقيقة التي تؤلمنا والوهم الذي يريحنا، وأن نختار الأولى مهما كانت تكلفتها، لأن الألم الذي تصنعه الحقيقة قد يزول، أما الطمأنينة التي يصنعها الوهم فسرعان ما تتحول إلى خيبة أكبر

وفي النهاية، تستطيع أن تختلف مع الناس ما شئت، وأن ترفض آراءهم وتناقش قناعاتهم، لكن احذر أن تجعل الحقيقة خصمك، لأنك حين تدخل معها في معركة، قد تنتصر على الآخرين بالكلام، وقد تخدعهم لبعض الوقت، لكنك لن تستطيع أن تغير ما حدث، ولن تهرب إلى الأبد مما تعرفه في أعماقك

فالحقيقة لا تنتقم ممن ينكرها، لكنها تتركه يوما ما وحيدا أمامها، مجردا من كل الأعذار