الجيل المسروق!!!!!

الجيل المسروق!!!!!

بقلم: د. عبدالعاطي المناعي
لو نظرت حولك وتأملت ما يجري ستدرك أننا لا نعيش فقط زمن التطور الرقمي بل زمنًا سُرقت فيه أعمار جيل كامل واستُنزفت طاقته وفرغ وعيه تدريجيًا، حتى أصبح كثير من أبنائه يعرفون كل شيء عن المشاهير والترندات ولا يعرفون ما يكفي عن أنفسهم أو أوطانهم أو مستقبلهم
إنه الجيل المسروق جيل لم تسرق منه الأموال والأراضي بل سُرقت منه أثمن ممتلكاته الوقت والانتباه والقدرة على التفكير والرغبة في المعرفةو والشغف ببناء مستقبل حقيقي
ليست التكنولوجيا هي المتهم فالتكنولوجيا أداة يمكن أن تفتح أبواب العلم كما يمكن أن تصبح وسيلة لهدر العمر المشكلة الحقيقية في عقول اختارت السخافة ومنظومات سمحت للمحتوى الفارغ بأن يتصدر ومجتمعات أصبحت تمنح التافه شهرة والجاهل منبرا، وصاحب الضجيج قيمة لا يستحقها
لقد أصبحت أجيال كاملة مفرغة فكريا يحصل الشاب على شهادة الثانوية ثم ينتقل إلى الجامعة وقد يتخرج حاملًا شهادة لا يساوي ما اكتسبه من علم قيمة الحبر المكتوب بها ولا يملك من المعرفة ما يوازي وزن ورقها فالنجاح في الامتحان لا يعني بالضرورة نجاح التعليم والحصول على الشهادة لا يعني امتلاك العلم كما أن التخرج لا يصنع وحده إنسانًا مثقفًا أو مؤهلًا للحياة والعمل
تحولت الشهادة عند البعض إلى ورقة للزينة الاجتماعية لا إلى دليل على المعرفة والكفاءة وقد يقضي الطالب سنوات طويلة في التعليم ثم يخرج عاجزًا عن كتابة فكرة بصورة صحيحة أو مناقشة قضية بوعي، أو تحليل معلومة أو اتخاذ قرار مستقل يحفظ كي ينجح، ثم ينسى ما حفظه لأنه لم يتعلم كيف يفكر بل تعلّم كيف يعبر الامتحان
والأخطر أن قطاعًا من الشباب أصبح مسطَّحًا فكريًا يعيش على العناوين دون أن يقرأ التفاصيل ويصدر الأحكام دون معرفة ويكرر ما يسمعه دون أن يسأل أو يتحقق يريد إجابات سريعة ونجاحًا سريعًا وشهرة سريعة وثروة سريعة لكنه لا يريد أن يدفع ثمن المعرفة من الوقت والجهد والصبر
لقد درّبته المقاطع القصيرة على الملل من كل فكرة عميقة حتى صار الكتاب طويلًا والمقال مرهقًا، والمحاضرة مملة، والحوار الجاد عبئًا ثقيلا لم يعد بعض الشباب قادرين على التركيز لدقائق لكنهم يستطيعون قضاء ساعات في التنقل بين مقاطع لا تضيف إلى عقولهم شيئًا
أما التواصل الإلكتروني، الذي كان يُفترض أن يقرب البشر من بعضهم، فقد تحول في كثير من الأحيان إلى ضجيج متواصل وعلاقات سطحية وحضور إلكتروني كثيف يقابله غياب إنساني مؤلم. أصبحنا أكثر اتصالًا بالأجهزة وأقل اتصالًا بالإنسان نتابع أخبار الغرباء بينما قد نجهل آلام أقرب الناس إلينا
ولم يعد الأمر مقتصرًا على المحتوى بل امتد إلى التعليقات السخيفة والتفاعلات السطحية والآراء التي تُكتب بلا علم أو مسؤولية وكأن البعض لا يبحث عن فكرة يفهمها بل عن مساحة يفرغ فيها جهله وانفعاله، ثم يتوهم أن مجرد التعليق يمنحه قيمة، وأن ارتفاع صوته يعوّض غياب فكره
ليست المشكلة في اختلاف الناس فالاختلاف دليل حياة وتنوع. ولكن الكارثة تبدأ عندما يتحول الجهل إلى رأي والسخرية إلى لغة، والابتذال إلى تفاعل، والضجيج إلى بديل عن الفكر. فإتاحة الفرصة لكل إنسان كي يتحدث لا تعني أن كل ما يُقال يستحق الاستماع، وامتلاك حساب إلكتروني لا يعني امتلاك المعرفة
إننا أمام جيل يمتلك من أدوات الوصول إلى العلم ما لم تمتلكه الأجيال السابقة لكنه يواجه في الوقت نفسه أكبر منظومة لتشتيت الوعي وسرقة الانتباه وبين يديه مكتبات العالم، لكنه قد يختار أكثر محتوياتها تفاهة يستطيع أن يتعلم لغة أو مهنة أو علمًا جديدًا، لكنه يهدر الساعات في ملاحقة حياة الآخرين
ومع ذلك، لا يجوز أن نحمّل الشباب وحدهم المسؤولية؛ فهناك تعليم اعتمد على الحفظ وأهمل التفكير، وأسرة انشغلت بتوفير الأشياء ونسيت بناء الإنسان وإعلام جعل من التفاهة بطولة ومجتمع بالغ في تقديس الشهادات وأهمل قيمة العلم والعمل والمهارة
إن إنقاذ هذا الجيل لا يكون بمنعه من التكنولوجيا بل بتعليمه كيف يستخدمها، ولا بتكديس المناهج في ذاكرته بل بتدريبه على التفكير والنقد والبحث والإبداع نحتاج إلى تعليم يعيد للمعرفة قيمتها، وأسرة تستعيد دورها وإعلام يحترم عقل الإنسان وقدوات حقيقية تثبت للشباب أن النجاح يُصنع بالعمل، لا بعدد المتابعين
فالجيل المسروق ليس جيلًا ضائعًا بالضرورة، لكنه جيل تتنازع على عقله قوى كثيرة وإذا لم نستعد وعيه اليوم، فقد يحمل غدًا شهادات أعلى ويمتلك أجهزة أكثر ذكاءً، لكنه سيكون أقل قدرة على التفكير وصناعة مستقبله
فليس كل من يحمل شهادة متعلمًا وليس كل مشهور صاحب قيمة وليس كل ما يملأ الوقت يستحق أن يملأ الحياة
والمأساة ليست في أن العالم يتطور بسرعة بل في أن تتطور الأجهزة من حولنا، بينما يتراجع الإنسان في داخلنا