عبق الجنوب
انتهيت من رسم إحدى لوحاتي، ووضعت الفرشاة جانبا، ثم بقيت أتأملها طويلا. وبينما عيناي تتنقلان بين ألوانها، وجدتني أبتعد عن المكان، كأنني استقللت آلة للزمن أعادتني إلى طفولتي في قريتي أبومناع، إلى سنوات المرحلة الابتدائية، وإلى فرحة صغيرة ما زالت تحتفظ ببريقها في قلبي
تذكرت أول علبة ألوان مائية اقتنيتها من مكتبة النجاح للأستاذ عبدالفتاح سلطان. ما زال اسم المكتبة وصاحبها مرتبطين عندي بتلك اللحظة؛ لحظة أحسست فيها أنني ملكت العالم. كانت العلبة بين يدي أكبر من حجمها بكثير، ففي داخلها وجدت وسيلة لأرسم ما أحبه، وأمنح خيالي شكلا أستطيع أن أراه
هناك بدأت ممارسة هوايتي الهادئة. كنت أقترب من الورق بشغف طفل يكتشف قدرته على صنع شيء يخصه أختار لونا، وأجرب آخر، وأتعلم من المحاولة وكانت فرحتي بما أرسمه تكفيني، دون أن أسأل إلى أين يمكن أن تقودني هذه الهواية
لم أكن أتخيل يومها أنني سأزور معظم دول العالم، وأدخل متاحفها، وأتأمل معارض أشهر فنانيها. لم يخطر ببالي أنني سأقف أمام لوحات طالما رأيتها في الصور، أو أنني سأقتني يوما أفخم أدوات الرسم والفرش المميزة. كان عالمي يومها يتسع داخل علبة ألوان، وكانت أبومناع هي المكان الذي أطل منه على كل شئ وكانت في قلبي ولا تزال هي كل شيء
واليوم، كلما تنوعت الأدوات أمامي، عادت إلي ذكرى تلك العلبة الأولى. أستعيد معها دهشتي، وبساطة فرحتي، وعبق الجنوب الذي يسكنني أينما ذهبت. وأشعر بالامتنان للأماكن والأشخاص الذين شاركوا في بداياتنا، وربما لم يعرفوا مقدار ما تركوه في أرواحنا
سرحت في كل ذلك بحب وحنين كبير. تمنيت لو أستطيع أن أجلس إلى جوار ذلك الطفل، وأراقبه وهو يفتح ألوانه للمرة الأولى، ثم أهمس له: احتفظ بهذا الشغف، فستصحبك الألوان إلى أماكن أبعد مما تتخيل
ومن هذه الذكرى أقول للشباب والنشء: لا تتوقفوا عن الحلم، ولا تستصغروا بداياتكم. امنحوا مواهبكم وقتا، وتعلموا، وجربوا، واصبروا على أخطائكم. لا تنتظروا امتلاك الأدوات المثالية حتى تبدأوا؛ فقد تبدأ رحلة طويلة بقلم بسيط أو علبة ألوان صغيرة
آمنوا بأنه لا مستحيل أمام حلم يجد من يرعاه بالعمل والمثابرة. قد تتغير الطرق، وقد تتأخر بعض الخطوات، لكن كل محاولة صادقة تضيف إليكم شيئا
ما زال طفل أبومناع حاضرا كلما أمسكت بفرشاتي، وما زالت فرحته الأولى تمنح ألواني روحها