تفتيت الأوطان
تفتيت الأوطان د.
أزيلوا الراء من كلمة الحرب ليعم الحب
حرف واحد يفصل بين كلمتين وبين مصيرين أيضا ففي الحب نبني بيتا وفي الحرب نحفر قبرا وفي الحب ننتظر عودة الغائب وفي الحرب نخشى أن يصل اسمه ضمن قوائم الضحايا وبينهما تقف شعوب أنهكها الانتظار وتعبت من دفع ثمن صراعات لم تخترها
من الخليج إلى السودان ومن ليبيا إلى سوريا ومن لبنان إلى إيران مأساة غزه المزمنة يختلف المشهد وتتعدد الأسباب والأطراف لكن وجع الأم واحد وصرخة الطفل واحدة والبيت حين يسقط لا يسأل ساكنيه عن مذاهبهم ولا عن انتماءاتهم فالركام يسوي بين الجميع بينما تبقى الخسائر محفورة في أجساد الناجين وذاكرتهم
أي انتصار هذا الذي يعود فيه الإنسان إلى مدينته فلا يجد عنوانه وأي مجد يرتفع فوق مدرسة أغلقت أبوابها ومستشفى عجز عن إنقاذ مرضاه وأي مستقبل ننتظره حين يتعلم الطفل أسماء الأسلحة قبل أسماء الزهور ويعرف طريق الملجأ قبل طريق المدرسة
تفتيت الأوطان يبدأ قبل تقسيم خرائطها حين يصبح ابن الوطن عدوا لأخيه وحين تتحول الهوية إلى تهمة والاختلاف إلى مبرر للإقصاء وحين يتقدم الولاء للسلاح على الانتماء للأرض عندها تتصدع البلاد من داخلها وتصبح كل جولة قتال حفرة جديدة في أساس البيت المشترك
وأقسى ما تفعله الحروب أنها تواصل القتل بعد صمت المدافع في طرف مبتور وحقل مهجور وتعليم ضائع وأسرة تفرقت بين المنافي وحدود تعجز الأم عن عبورها لتضم أبناءها قد يعاد بناء الجدار لكن من يعيد إلى طفل سنواته ومن يرد إلى أب ابنه ومن يمحو من ذاكرة الناجين صوت الليلة التي فقدوا فيها كل شيء
نرفض العدوان ونرفض تحويل المدنيين إلى أهداف ونرفض أن تصبح سيادة الدول وحياة شعوبها أوراقا في صراعات النفوذ كما نرفض أن تتخذ الأطراف المتحاربة من آلام الناس وقودا لإطالة القتال فلا كرامة تصان بإهدار الإنسان ولا وطن يحفظ بتدمير مقومات بقائه
السلام يحتاج شجاعة تواجه التحريض وعدالة تحمي الحقوق وإرادة توقف نزيف الدم ومسؤولية تدرك أن التراجع عن الخراب واجب وأن إنقاذ حياة واحدة أكرم من ألف خطاب يحتفي بالموت
أزيلوا الراء من كلمة الحرب ليعم الحب
احذفوها أولا من قراراتكم ومنابر تحريضكم وافتحوا للناس طريق العودة إلى بيوتهم واتركوا لشعوب المنطقة فرصة أن تختلف بلا اقتتال وأن تتجاور بلا خوف وأن تنفق على الحياة ما استنزفته في الدمار
لقد تعبت الأرض من استقبال أبنائها قتلى وتعبت الأمهات من صور معلقة على الجدران نريد أوطانا تتسع لأهلها وأطفالا يكبرون في أحضان أسرهم وصباحا تكون فيه الأخبار عن افتتاح مدرسة لا عن انتشال تلاميذها من تحت الركام