جغرافيا الأرواح
ليست الجغرافيا دائمًا خرائطا وحدودًا ومدنًا وبحارًا كما اعتدنا عند سماع كلمة جغرافيا
لكن هناك جغرافيا أخرى لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بالكيلومترات تسكن داخل الإنسان وتتحرك معه أينما ذهب
إنها جغرافيا الأرواح تلك المسافات الخفية التي تفصل بين قلب وقلب وتلك الطرق الغامضة التي تجعل شخصًا بعيدًا عنك أقرب من أقرب الناس، وتجعل آخر يجلس إلى جوارك وكأنه يعيش في قارة أخرى
بعض الأرواح تشبه المدن المفتوحة، تدخلها دون خوف فتجد فيها دفئًا وطمأنينة وطرقًا تعرفك منذ زمن لا تحتاج معها إلى كثير من الشرح لأن الكلمات تصل قبل أن تُقال
والصمت يصبح لغة مفهومة وهناك أرواح تشبه الموانئ، نصل إليها حين تتعبنا الرحلة فنستريح قليلًا، ثم نواصل الطريق وقد تركت فينا شيئًا لا يزول
وفي المقابل هناك أرواح تشبه الصحارى واسعة لكنها قاسية تمشي فيها طويلًا دون أن تجد ظلًا أو ماء وقدنقضي سنوات بجوار إنسان لا نعرف كيف نصل إليه لأن المسافة بين الأرواح لا تُختصر بالقرب الجسدي، بل بالتفاهم والصدق والرحمة
العجيب أن الأرواح لا تعترف دائمًا بالزمن قد نلتقي إنسانًا للمرة الأولى فنشعر أن بيننا معرفة قديمة ژوكأن اللقاء لم يكن بداية بل استكمالًا لحديث توقف منذ سنوات وقد نفارق أشخاصًا أحببناهم لكنهم يبقون داخل خرائطنا الداخلية في شارع من الذاكرة أو نافذة من الحنين أو زاوية لا يمر بها أحد سواهم
لكل إنسان إذن خريطته السرية فيها أوطان صغيرة صنعها الحب وحدود أخري رسمها الألم ومناطق محظورة تركتها الخيانة ومساحات خضراء أنبتها الوفاء ومع الأيام تتغير الخريطة: مدن تسقط طرق تُغلق، وأماكن كنا نظنها عابرة تصبح وطنًا
ولعل أكثر ما يربكنا أننا نحاول أحيانًا إجبار الأرواح على الإقامة في أماكن لم تعد تناسبها نتمسك بعلاقات وصداقات انتهى معناها أو نطارد قربًا لا يمنحنا إلا التعب خوفًا من الاعتراف بأن بعض الطرق خُلقت للعبور لا للإقامة
الحكمة ليست في الاحتفاظ بكل من عرفناهم بل في فهم أثرهم وشكر الجميل منهم وترك ما يؤلمنا دون كراهية فالنضج أن نعرف متى نقترب ومتى نبتعد، ومتى نحفظ للآخر مكانه في الذاكرة بدل أن نفرض عليه مكانًا في الحاضر
فالقلوب لها حدود وطاقة استيعاب وللأرواح حق اختيار أوطانها
وربما أجمل ما نتعلمه من جغرافية الأرواح أن الوطن الحقيقي ليس دائمًا مكانًا أحيانًا يكون إنسانًا نشعر معه أننا لسنا بحاجة إلى الدفاع عن أنفسنا ولا إلى ارتداء الأقنعة ولا إلى تفسير ضعفنا إنسان يمنحنا مساحة آمنة لنكون كما نحن
لذلك لا تسأل دائمًا: كم تبعد المسافة بيني وبينك؟ اسأل: كم بقي بين روحينا من طريق؟
فبعض المسافات تُقطع بالطائرات، وبعضها لا يقطعه إلا الصدق الذي أصبح اليوم اندر من المعادن النفيسة بين البشر
وهناك بعض الناس نلتقيهم مرة واحدة، لكن أرواحهم تترك فينا عنوانًا لا تمحوه السنوات
وفي النهاية، نحن لا نعبر حياة بعضنا بلا أثر كل روح نلتقيها تغيّر شيئًا في تضاريسنا الداخلية تهدم جدارًا، أو تفتح نافذة أو تمهد طريقًا جديدًا وحين تنتهي الرحلة لن تكون قيمة حياتنا في عدد المدن التي زرناها ولا في اتساع المسافات التي قطعناها بل في الأرواح التي شعرنا معها أننا وصلنا الي الطريق الآمن والي مرفأ السفينة الحقيقي