السياحة الميسرة في المغرب: كيف نتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وماذا نتعلم من تجارب دول أخرى؟

السياحة الميسرة في المغرب: كيف نتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وماذا نتعلم من تجارب دول أخرى؟

إعداد: حفيظة بوشعال

تأطير: عبد العاطي مناعي

في النقاش العمومي حول السياحة، يذهب الاهتمام غالبًا إلى الأرقام: عدد الوافدين، ليالي المبيت، الاستثمارات،  والقدرة على جذب أسواق جديدة. لكن سؤالًا أكثر عمقًا يظل مطروحًا بإلحاح: هل يستطيع الجميع أن يسافروا بالطريقة نفسها؟  وهل يشعر الشخص في وضعية إعاقة، منذ لحظة البحث عن المعلومة إلى غاية نهاية الرحلة، بأنه مرحب به فعلًا داخل الوجهة السياحية؟  هنا بالضبط يبدأ معنى السياحة الميسرة، ليس باعتبارها خدمة هامشية، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمدى عدالة السياسات السياحية وجودة الخدمات المقدمة.

أولًا: ماذا يعني التعامل الصحيح مع ذوي الاحتياجات الخاصة في السياحة الميسرة؟

التعامل الصحيح لا يبدأ عند مدخل الفندق ولا عند باب المتحف، بل يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ من طريقة تصميم الخدمة،  ومن طبيعة المعلومة المقدمة، ومن تكوين الموارد البشرية، ومن قدرة المؤسسة على توقع حاجات الزوار بدل انتظار الشكوى بعد وقوع الإقصاء.  فالشخص في وضعية إعاقة لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى معاملة استثنائية مبالغ فيها، بل يحتاج إلى خدمة محترمة، واضحة، قابلة للاستعمال،  تحفظ كرامته واستقلاليته وتمنحه الإحساس الطبيعي بالأمان والراحة.  وفي هذا الإطار، يمكن تلخيص التعامل المهني السليم في خمسة مبادئ أساسية: أولها احترام الكرامة والاستقلالية،  وثانيها توفير المعلومة الدقيقة قبل السفر، وثالثها تهيئة الفضاءات ووسائل التنقل، ورابعها التواصل الإنساني غير الوصائي،  وخامسها الاستجابة السريعة للحاجات الفردية دون ارتباك أو ارتجال. فالسياحة الميسرة ليست مجرد منحدر أو مصعد،  بل سلسلة متكاملة تبدأ بالموقع الإلكتروني والحجز، وتمر بالنقل والاستقبال والإيواء والأنشطة، وتنتهي بتجربة يشعر فيها السائح أنه جزء كامل من المشهد لا عبئًا عليه.

ثانيًا: ماذا يحتاج المغرب اليوم؟

في المغرب، توجد قاعدة حقوقية ومؤسساتية مهمة تسمح بالحديث عن تقدم مبدئي في مجال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.  غير أن الترجمة السياحية لهذا الإطار لا تزال غير متكافئة بين المدن والوجهات والمؤسسات. فالمشكل في كثير من الأحيان ليس في غياب الخطاب،  بل في ضعف التنفيذ، وفي غياب سلسلة خدمات متصلة تجعل الرحلة ممكنة من بدايتها إلى نهايتها.  وإذا أردنا مقاربة واقعية، فإن المغرب يحتاج إلى الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق السياسة السياحية المندمجة.  وهذا يقتضي أولًا وضع معايير وطنية واضحة للولوج السياحي منسجمة مع المرجعيات الدولية، وثانيًا إدماج الولوجية في دفاتر التحملات والتصنيف والجودة،  وثالثًا تكوين العاملين في الفنادق والمطارات والمآثر والمطاعم ووسائل النقل، ورابعًا إنتاج معلومات عمومية موثوقة ومفصلة حول درجة الولوج لكل خدمة،  وخامسًا إشراك الأشخاص المعنيين أنفسهم في التقييم والمراقبة. فبدون هذا الإشراك، تبقى كثير من الحلول تقنية في ظاهرها لكنها غير فعالة عمليًا.

ثالثًا: كيف يجب أن يكون التعامل اليومي داخل المؤسسات السياحية؟

داخل الفندق أو دار الضيافة أو وكالة الأسفار أو الفضاء الثقافي، لا يكفي أن نقول إننا نستقبل الجميع. المهم هو كيف نستقبل.  يجب أن يكون الموظف قادرًا على السؤال باحترام: ما الذي تحتاجونه حتى تمر التجربة في أفضل الظروف؟  ويجب أن يعرف كيف يتحدث مع الشخص المعني مباشرة، لا مع مرافقه فقط، وأن يقدم المعلومة بلغة بسيطة ودقيقة،  وأن يتجنب كل سلوك ينزع الاستقلالية عن الزائر أو يحوله إلى حالة استثنائية.  والتعامل المهني السليم يشمل كذلك تفاصيل صغيرة لكنها حاسمة: مسار خالٍ من العوائق، لافتات مفهومة، دورات مياه مهيأة فعلًا لا شكليًا،  إمكانية الحجز مع توضيح نوع الولوج المتاح، موظفون يعرفون أسس المواكبة، ومحتوى رقمي قابل للقراءة والاستعمال.  فالإقصاء في السياحة لا ينتج دائمًا عن السلالم فقط، بل قد ينتج عن معلومة ناقصة، أو جواب مرتبك، أو تصميم لا يراعي الفروق بين الناس.

رابعًا: ماذا نتعلم من بلدان أخرى؟

المقارنة الدولية لا تعني استنساخ التجارب كما هي، بل تعني فهم ما الذي جعل بعض الوجهات أكثر تقدمًا في هذا المجال.  في البرتغال مثلًا، جرى التعامل مع السياحة الميسرة باعتبارها جزءًا من استراتيجية الوجهة نفسها، لا مجرد إضافة اختيارية.  وقد دعمت Turismo de Portugal هذا التوجه عبر برنامج “All for All” وأدوات تدبير للوجهات، ثم عززته سنة 2025 بإطلاق شهادة مبنية على المعيار البرتغالي المتوافق مع ISO 21902 لتصنيف العرض السياحي الميسر.  هذا يعني أن الولوجية دخلت إلى منطق الجودة والتمييز والتمويل، وليس فقط إلى باب النوايا الحسنة.  أما إسبانيا، فقد راكمت خبرة عملية مهمة بفضل اشتغال المؤسسات العمومية مع الفاعلين المدنيين والمهنيين،  وبفضل حضور منصات معلوماتية ودلائل مساعدة للمسافرين، إضافة إلى مبادرات جمعيات متخصصة مثل PREDIF ومؤسسة ONCE في الدفع نحو التصميم الشامل وتحسين التجربة السياحية.  والدرس الأهم هنا هو أن النجاح لا يتحقق بالبنية التحتية وحدها، بل بمنظومة كاملة تجمع بين المعلومة الدقيقة، والالتزام المؤسسي، والتكوين، والتقييم المستمر.  وعندما نقارن هذه التجارب بوضع المغرب، يتضح أن الفرصة قائمة، بل ومهمة. فالمغرب يملك مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية كبيرة جدًا،  لكن تعظيم هذه المؤهلات يمر أيضًا عبر جعلها متاحة لعدد أوسع من الزوار، بمن فيهم الأشخاص في وضعية إعاقة، وكبار السن، والأسر التي تحتاج إلى خدمات أكثر سهولة وأمانًا.

خامسًا: ما الذي ينبغي فعله في المغرب على وجه السرعة؟

الأولوية الأولى هي الاعتراف بأن السياحة الميسرة ليست ترفًا اجتماعيًا، بل ملف جودة واستثمار وحق.  والأولوية الثانية هي الانتقال من التهيئة الجزئية إلى السلسلة المتكاملة: من النقل إلى الإقامة إلى المعلومة إلى الأنشطة إلى الخدمات الصحية المساندة عند الحاجة.  أما الأولوية الثالثة فهي بناء ثقافة مهنية جديدة داخل القطاع، تعتبر أن حسن الاستقبال لا يكتمل إلا عندما يكون شاملاً للجميع.  ومن الناحية العملية، يمكن للمغرب أن يربح كثيرًا إذا بدأ بخمس خطوات واضحة: جرد حقيقي لمدى الولوج في الوجهات الكبرى؛  إطلاق دليل وطني موحد للمعلومات السياحية الميسرة؛ إدراج وحدات تكوين إلزامية في مدارس السياحة والتكوين المهني؛  تحفيز المستثمرين والمؤسسات عبر آليات دعم أو تصنيف تفضيلي؛ وربط المراقبة والتقييم بتجربة المستعمل الفعلية لا بالمعايير الورقية فقط.

خاتمة

إن الطريقة التي نتعامل بها مع ذوي الاحتياجات الخاصة في السياحة الميسرة تكشف، في العمق، نوع المجتمع الذي نريد أن نبنيه.  فإما أن نكتفي بخطاب الترحيب العام، أو ننتقل إلى بناء تجربة سياحية عادلة وفعالة تحفظ الكرامة وتوسع فرص المشاركة.  والمغرب، إذا أراد أن يربح هذا الرهان، لا يحتاج فقط إلى تجهيزات أكثر، بل إلى رؤية أوضح، وحكامة أدق، وتكوين أفضل، ومعلومة أكثر صدقًا وشفافية.  لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الولوجية حين تصبح جزءًا من استراتيجية الدولة والقطاع، ترتفع جودة الخدمة للجميع،  وتتقوى صورة الوجهة السياحية، ويتحول الحق في السفر من مطلب خاص إلى معيار عام لنجاح التنمية. وهذا هو الدرس الذي يستحق أن يُبنى عليه النقاش اليوم في المغرب.

ملاحظة تحريرية: تم إعداد هذا النص انطلاقًا من موضوع المذكرة وبالاستئناس بمرجعيات دولية ومؤسساتية في السياحة الميسرة.