الجغرافيا الصحية: ميلاد مفهوم جديد

الجغرافيا الصحية: ميلاد مفهوم جديد

 لم تعد الصحة مجرد غياب المرض، ولا المكان خلفية صامتة نقف أمام عصر تعود فيه الجغرافيا لتقول كلمتها في الطب والصحة عبر "الجغرافيا الصحية"، مفهوم أسسته في بحثي عن السياحة الصحية والاستشفاء البيئي. هذا الحقل يعيد الاعتبار للجغرافيا وللمكان كشريك في رحلة الصحة، متجاوزًا التركيز على الأمراض ليشمل الترفيه الجسدي والنفسي والاجتماعي من الجغرافيا الطبية إلى الصحية

كانت "الجغرافيا الطبية" تركز على توزيع الأوبئة والأمراض، لكن الجغرافيا الصحية أوسع

لماذا؟ لأنك حين تسال: أين الجغرافيا من الصحة؟ أين هي من جودة الحياة؟ لا تجد إجابة وافية

ذلك الشيء الذي اقصده يشمل التخطيط الجغرافي الصحي، عدالة الخدمات، وخرائط الترفيه والاستشفاء بالبيئة ومعرفة مقومات كل مكان وانماطه المختلفة  

 تعريف الجغرافيا الصحية

"هو دراسة التفاعل بين الإنسان وبيئته من حيث أثر المكان والمناخ والموارد على الصحة والمرض وجودة الحياة، لتوظيف ذلك في التخطيط والاستشفاء والعلاج"

ذلك يوسع الرؤية من السرير إلى الخريطة، معتبرًا قرارات البنية التحتية قرارات صحية فالعلاقة بين الإنسان والمكان: علاقة متكاملة من الممكن ان تؤثر في الصحة إيجابيا وفي بعض الأحيان يكون التأثير سلبيا

فالمكان شريك في الصحة؛ الموقع وتيارات الهواء، معدل الرطوبة، نوعية التربة، التصميم العمراني، والمساحات الخضراء كل ذلك يؤثر على الجسم والنفس وهذا هو المعيار ان نفكر في النفس واستقرارها كما نفكر في الجسم وراحته

ان الجغرافيا الصحية تكشف هذه العلاقات لتحويلها إلى معرفة قابلة للتخطيط. وجودة نمط الحياة

الجغرافيا الصحية عبر التاريخ

في العصور الإسلامية القديمة، كان العرب يولون أهمية كبيرة لاختيار مواقع المستشفيات والمراكز العلاجية بعناية فائقة، إذ كانوا يدركون أن البيئة المحيطة تؤثر بشكل مباشر على صحة المرضى ونجاح العلاج إحدى الطرق التقليدية التي استخدموها لتحديد المكان المناسب كانت وضع قطعة من اللحم في كل جهة من جهات الموقع الاربعة المقترح وتركها لأيام، ثم مراقبة أي جهة لم يفسد اللحم فيها

 يُعتبر هذا المقياس الطبيعي بدائيًا، لكنه كان قائمًا على مبدأ الجغرافيا الصحية: أي اختيار المكان الذي يتمتع بالهواء النقي، أقل تلوث، وأكثر مناسبة للشفاء

 إذ كانوا يعلمون أن اللحم الذي لم يفسد يشير إلى الهواء والجغرافيا الأفضل للصحة، وبالتالي يُختار الموقع الذي يضمن الوقاية من الأمراض وتحقيق أفضل النتائج العلاجية

هذا النهج التاريخي يوضح أن الفكرة الأساسية للجغرافيا الصحية ليست جديدة، بل هي امتداد لتجارب عملية قديمة كان فيها المكان شريكًا في الشفاء لقد أعاد هذا التاريخ القديم تأكيد فكرة أن الموقع، المناخ، جودة الهواء، والتربة كلها عوامل حيوية في عملية العلاج والاستشفاء، وهو نفس المفهوم الذي بنيت عليه الخرائط الحديثة للاستشفاء البيئي التي صممتها، والتي توظف خصائص المكان الطبيعية لتحديد الموارد العلاجية الأمثل وربطها بأنواع الأمراض المختلفة

ارتباطها بالسياحة الصحية

ان العيون الكبريتية والمعدنية، ومياه البحار والمحيطات والرمال السوداء، الطين، والمناخات المتنوعة هي "موارد جغرافية صحية" تحتاج الي تصميم خرائط تنبع من الجغرافيا بكل تفاصيلها

حينها تكشف الخرائط الخلل في توزيع الخدمات، مساءلة السياسات لصالح المناطق النائية ووضع الحلول في وقت مناسب يزيد من دقة الاختيار وجودة المنتج

اعتقد انه من الضروري التعاون بين اهل الجغرافيا وخبرائها مع الأطباء المتخصصين وعلماء البيئة لوضع برامج أكاديمية وتطبيقية دقيقة تربط الطب بالجغرافيا بحثا عن الصحة الحقيقية لجيل يفكر بالمكان كالمرض حينها تجعل الجغرافيا الصحية الخريطة الصحية تتكلم بلغة الصحة