الزود عن الأوطان: فريضة الوجود ووصية السماء وضمير التاريخ

الزود عن الأوطان: فريضة الوجود ووصية السماء وضمير التاريخ

 

الزود عن الأوطان: فريضة الوجود ووصية السماء وضمير التاريخ

الوطن ليس مساحة جغرافية نعيش فوقها مصادفة، ولا كيانًا سياسيًا يتبدل بتغير الحكومات والأنظمة، بل هو الذاكرة الأولى التي تشكل وعينا، والجذور التي منها ننمو، والهوية التي بدونها نفقد أسماءنا ومعاني وجودنا
في كنف الأوطان وُلدنا، وعلى ترابها تربّينا، ومن مائها شربنا، وفي مدارسها تعلمنا، ومنها أخذنا كل ما كان سببًا في بقائنا واستمرارنا في الحياة. لذلك لم يكن الوطن يومًا خيارًا، بل كان قدرًا ومسؤولية
وعندما يتعرض الوطن للخطر، تسقط كل الأقنعة، وتنهار كل الذرائع التي يحاول بها البعض تبرير الصمت أو التخاذل. فلا قيمة لعبارات من قبيل: هذه حرب ساسة أو حرب عبثية، أو لا تعنينا هذه المعركة، أو هذا شأنهم وحدهم (من هم؟ ألم تكن أنت مواطنا قبل أن يحيق بوطنك الخطر؟)
التاريخ يعلمنا أن سقوط الوطن لا يستثني أحدًا، وأن من يظن نفسه بمنأى عن الخطر إنما يخدع ذاته لان الوطن إن سقط، سقط معه الجميع، دون استثناء
مواطنين شيوخا وشيبة وشبابا واطفالا ذكورا وإناثا
الدفاع عن الوطن: واجب شامل لا رخصة فيه لأحد
إذا ألمّت الأخطار بالوطن، فإن الزود عنه يتحول من حق إلى واجب وفرض عين لا رخصة فيه إلا للعاجز ، ومن خيار إلى فريضة، لا يُعفى منها أحد لا رخصة لأي مواطن، كائنًا من كان، في التخلي عن وطنه ساعة المحنة. فالدفاع عن الوطن ليس حكرًا على الجيش وحده، ولا مسؤولية فئة دون أخرى، بل هو واجب جماعي يشمل الجميع
الشباب بقوتهم، والشيوخ بحكمتهم، والنساء بثباتهن وصبرهن، والمثقفون بأقلامهم، والأطباء بعلاجهم، والمعلمون بوعيهم، بل وحتى الأطفال بما يقدرون عليه من دعم ومساندة. فالأوطان لا تُحمى بالحياد، ولا تُصان بالانتظار، وإنما تُنقذ حين يتحول الشعب كله إلى درع واحد
الدليل القرآني: حماية الأوطان أصل شرعي ثابت
جاء القرآن الكريم ليؤكد أن الدفاع عن الأرض والديار ليس مجرد حق، بل واجب شرعي إذا تعرضت للعدوان. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾
(النساء: 75)
فهذه الآية الكريمة تقرن الدفاع عن الأرض بالدفاع عن الإنسان، وتُسقط أي ادعاء بأن الحياد فضيلة حين يُستباح الوطن ويُهجّر أهله.
وفي الإنجيل ايضا : التضحية من أجل الوطن ذروة المحبة
ويأتي الإنجيل المقدس ليؤكد ذات المعنى الإنساني والروحي للتضحية، حين يقول السيد المسيح عليه السلام:
«لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ»
(يوحنا 15:13)
فالوطن هو أعز الأحباء، لأنه الإطار الذي يجمع الجميع، ويحمي التنوع، ويصون الكرامة الإنسانية بلا تمييز
شواهد التاريخ:
حين يتقدم الشعب قبل الجيوش
من خلال قراءة التاريخ نجد أنه مليء بالشواهد التي تؤكد أن الأوطان لا تنتصر بالأسلحة وحدها، بل بإرادة شعوبها. ففي حرب الاستنزاف، لم يكن أبناء سيناء مجرد شهود على المعركة، بل كانوا جزءًا أصيلًا منها. شارك الأطفال والنساء في نقل الرسائل، وإخفاء الجنود، ودعم المخابرات، وتحملوا القصف والتهجير بصبر نادر، لأنهم أدركوا أن الدفاع عن الوطن مسؤولية الجميع
وفي حرب التحرير الجزائرية، لم يكن الرجال وحدهم أبطال المقاومة، بل النساء والصبيان الذين سطروا بدمائهم صفحات خالدة في سجل الحرية. جميلة بوحيرد، وحسيبة بن بوعلي، وآلاف غيرهن ممن لم يبحثن عن مجد شخصي، بل عن وطن حر
وفي ليبيا إبان مقاومة الاحتلال الإيطالي، لم يتخلف مهندس اوكاتب ولا صحفي ولا معلم ولا طبيب عن الزود عن الوطن تحولت الكلمة إلى مقاومة، والتعليم إلى وعي، والطب إلى فعل نضالي، لأن الوطن حين يُستهدف، تصبح كل المهن جبهات دفاع من داخل الوطن
فالمدنيون سند الجيوش في الحروب المعاصرة
وفي العصر الحديث، تكررت ذات الصورة في أكثر من بلد عربي. ففي اليمن، وقف المدنيون سندًا للجيش الوطني، يساندونه بالغذاء والدواء والمعلومة، ويتحملون أعباء الحرب دفاعًا عن الدولة والهوية في وجه المعتدين
وفي العراق، حين اجتاح الإرهاب المدن، لم يكن الجيش وحده في المواجهة، بل الشعب كله. فتح المواطنون بيوتهم للنازحين، وقدموا الدعم للقوات الوطنية، وحمل كثيرون السلاح دفاعًا عن الأرض والعِرض والمقدسات، لأنهم أدركوا أن الوطن لا يُستعاد إلا بتكاتف الجميع.
سطر مهم :
الوطن لا يُدافع عنه بالحياد
الدفاع عن الوطن، حين يُهدد، هو فرض عين لا يسقط عن أحد، ولا يُؤجل، ولا تُمنح فيه رخصة للتقاعس. ومن يتخلى عن وطنه ساعة المحنة، يفقد حقه الأخلاقي في الحديث عن السلام أو العدالة أو المستقبل أو البحث عن دور بعد استتباب الأمن فيه
فالأوطان لا يحميها المترددون، بل أولئك الذين يؤمنون بأن الحياة بلا وطن مجرد نجاة مؤقتة، أما الزود عنه فهو الخلود الحقيقي
ومن يزود عن وطنه لا يموت،
بل يبقى حيًا في ذاكرة الأرض،
وشاهدًا في ضمير الأمة،
واسمًا لا يُمحى من سجل الشرف الإنساني