المقاربة الكارطوغرافية ودورها في تنمية السياحة الاستشفائية: أمثلة من المجال الأطلسي والواحي في المملكة المغربية
- أميمة أبالوش، ماستر التواصل السياحي وتثمين التراث بجامعة المولى إسماعيل، الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، المغرب.
omaymaoubalouch@gmail.com
- أحمد عبد المنعم اليازيدي: ماستر التواصل السياحي وتثمين التراث بجامعة المولى إسماعيل، الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، المغرب.
ahmedabdelmounaimelyazidi@gmail.com
تقديم عام
بداية نتقدم بالشكر الجزيل للدكتور عبدالعاطي المناعي على محاضراته القيمية لطلبة الماجستير لطلبة الكلية متعددة التخصصات بجامعة مولاي إسماعيل بالرشيدية، جامعة المولى اسماعيل بالمملكة المغربية وتأتي هذه المحاضرات والمناقشات العلمية ضمن التعاون الأكاديمي بينه وبين الكلية متعددة التخصصات بجامعة مولاي إسماعيل بتنسيق وتواصل مع الأستاذ الفاضل د رضا الشلفي منسق ماستر التواصل السياحي وتثمين التراث بنفس الكلية كما نشكر الطاقم البيداغوجي والتسييري والتقني وشركاء كلية السياحة الصحية على هذا العمل الثنائي المشترك الذي يعزز الروابط العلمية والاكاديمية للمضي قدما بالشراكات العلمية الهادفة.
فالخريطة اذن هي ذلك المحرك البصري والذهني للنشاط السياحي؛ فهي ليست مجرد أداة لتحديد الاتجاهات، بل هي وسيلة تسويقية وتخطيطية متكاملة تساهم في تحويل المواقع الجغرافية إلى وجهات جاذبة. من خلال المدخل الخرائطي، يتم تبسيط المجال المكاني للسائح، مما يمنحه الثقة لاستكشاف المعالم وتجربة مسارات جديدة، كما تلعب الخرائط الرقمية والتفاعلية دورا حاسما في ربط الخدمات الأساسية بالنقاط السياحية، مما يطيل مدة الإقامة ويدعم الاقتصاد المحلي. وبذلك، تظل الخريطة هي الجسر الرابط بين رغبة السائح في الاستكشاف وبين كفاءة إدارة الوجهة السياحية وتنميتها بشكل مستدام.
يعد المدخل الخرائطي الكارطوغرافي أداة حاسمة لفهم دور مجال “الأطلس والواحات” في بناء وتطوير السياحة الاستشفائية، إذ لا يقتصر على عرض المعطيات المجالية، بل يكشف عن منطق توزيع الموارد الطبيعية والعناصر المؤهلة للعلاج الطبيعي داخل المجال. ومن خلال قراءة الخريطة، يتضح أن هذا المجال، الممتد عبر ورزازات وتنغير والرشيدية، يقوم على تدرج بيئي واضح يجمع بين الجبل والواحة، وهو ما يشكل أساسا بنيويا لقيام سياحة استشفائية متعددة الأبعاد.
المصدر https://www.academia.edu
الحدود الإدارية:
- جهة فاس–مكناس وجهة بني ملال خنيفرة في الشمال
- جهة مراكش آسفي وجهة بني ملال خنيفرة في الشمال
- الجهة الشرقية
- جهة سوس ماسة في الغرب
- الجزائر في الشرق والجنو
الرشيدية
مدينة الراشيدية والمعروفة سابقا بقصر السوق، هي مدينة يغلب عليها الطابع الريفي، ويعد إٌقليم الراشيدية هو أكبر إقليم من حيث المساحة ضمن جهة درعة تافيلالت. – هذه المدينة معروفة بثقافتها، التي تشير إلى التراث المعماري والحضري في الماضي، ويتكون هذا التراث من المعالم التاريخية مثل سيجلماسة وضريح مولاي علي الشريف، اضافة إلى عدة قصور مثل قصر الفيضة، قصر أولاد عبد الحليم، قصر أبو عام، معاضيد، وقصر المسكي
ميدلت
ميدلت هي مدينة مغربية تقع عند تقاطع سلاسل جبال الأطلس المتوسط والأطلس الشرقي الكبير، يبلغ عدد سكانها حوالي 60,000 نسمة. تقع ميدلت على ارتفاع 1,521 مترًا في جبال الأطلس، وتتميز بمناخ جبلي يتسم غالبًا بتساقط الثلوج في فصل الشتاء عند هذا الارتفاع، وتحل النباتات الجبلية (أشجار صنوبري والأرز) بشكل أساسي محل نباتات البحر الأبيض المتوسط (البلوط وشجرة الزيتون) إلى غير ذلك من النباتات
تنغير
تنغير أو تينرهير بالأمازيغية، هي عاصمة إقليم تنغير منذ سنة 2009 وكانت في السابق هذه المدينة جزءاً من إقليم ورزازات، يأتي اسمها من طين بالأمازيغية، مكان (تين) الجبل (إغي، كتف أو سلسلة تلال). وهو مكان مميز للمتسلقين للجدران حتى 300 م، هذه الجدران مجهزة بشكل جيد جدا، لكن العديد منها لا يزال غير مستغل
ورزازات
ورزازات هي مدينة تقع جنوب جبال الأطلس الكبير المغربية، والمعروفة باسم بوابة الصحراء الكبرى. وقصبة تاوريرت الهائلة التي تضم قصرا يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، تتمتع بإطلالة على المناظر الطبيعية الصخرية المحيطة بها، والتي تظهر في العديد من الأفلام. كما أن في الشمال الغربي توجد مدينة آيت بن حدو ذات الأسوار الأرضية الحمراء، بينما يمتد وادي تودرا الصعب إلى الشمال الشرقي طريق الرياح الجنوبية الشرقية، عبر بساتين النخيل الخصبة في وادي درعة باتجاه الصحراء
زاكورة
زاكورة هي مدينة مغربية تقع ضمن جهة درعة تافيلالت في جنوب المغرب، إضافة على أن الصحراء قريبة منها ناهيك عن المناظر الطبيعية التي تتميز بها والذي ينعكس على المباني بشكل رائع. وتمتد مدينة زاكورة على مساحة إجمالية قدرها 2,180,307 هكتار، يحدها من الشمال اقليم ورزازات، ومن الشرق اقليم الراشيدية، ومن الجنوب الغربي مدينة طاطا، ومن الجنوب الشرقي الحدود الجزائرية المغربية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 65,000 نسمة.
المصدر: مونوغرافية جهة درعة تافيلالت (مونوغرافية الجهة – درعة تافيلالت)
خريطة 3: الطرق الخاصة بالجولات السياحية بالرشيدية
المصدر: CPT Er-Rachidia
فالخريطة تظهر بوضوح العلاقة البنيوية بين المرتفعات الجبلية والواحات السفحية، حيث تعمل الجبال كمجال منتج لعناصر الراحة البيئية، خاصة الهواء النقي والمناخ المعتدل، في حين تمثل الواحات فضاءات للاستقرار والاستجمام بفضل توفر المياه والغطاء النباتي. هذا التوزيع المجالي يسمح، من منظور استشفائي، بتكامل وظيفي بين مناطق العلاج الطبيعي المرتبطة بالمناخ الجبلي، ومناطق الاسترخاء والاستشفاء النفسي داخل الواحات. ومن هنا، فإن المدخل الخرائطي يساعد على تحديد “مجالات العلاج” داخل الإقليم، وربطها بشبكة من المراكز القادرة على استقبال السياح وتقديم الخدمات.
كما تكشف الخريطة عن تمركز التجمعات السكانية داخل الأحواض الواحية مثل أرفود والريصاني وكلميمة، وهو ما يعكس توفر شروط الحياة والاستقرار، وبالتالي إمكانية تطوير بنية تحتية سياحية قائمة على الإيواء والخدمات الصحية التقليدية والعصرية. وفي المقابل، تظهر المناطق الجبلية والمجالات شبه الجافة كفضاءات أقل كثافة سكانية، لكنها تمتلك مؤهلات علاجية مهمة، خاصة من حيث نقاء الهواء والهدوء الطبيعي، ما يجعلها مناسبة لأنشطة مثل المشي العلاجي والتأمل.
اضافة الى البنيات التحتية من فنادق ومطاعم و مخيمات ومطارات و ماوي سياحية ومناطق ايكولوجية وطرقات رئيسية واخرى ثانوية لفك العزلة بين المناطق الحضرية والقروية والجبلية و الحدودية ...
ومن زاوية التخطيط السياحي، يتيح التحليل الخرائطي تحديد محاور الربط بين هذه الوحدات، وهو عنصر أساسي في السياحة الاستشفائية التي تعتمد على تنقل الزائر بين عدة فضاءات علاجية ضمن تجربة متكاملة. فوجود محور يربط بين ورزازات وتنغير والرشيدية، على سبيل المثال، يمكن أن يشكل “مسارا استشفائيا” يجمع بين العلاج الجبلي والواحي، ويمنح السائح تجربة متدرجة تجمع بين الحركة والاسترخاء. كما أن هذا الربط يعزز من تكامل العرض السياحي ويقلل من العزلة المجالية لبعض المواقع.
وتبرز أهمية المدخل الخرائطي أيضا في قدرته على كشف التباينات المجالية التي قد تؤثر على نجاح المشاريع الاستشفائية، مثل تفاوت توزيع المياه أو ضعف البنيات التحتية في بعض المناطق. فالسياحة الاستشفائية، رغم اعتمادها على الموارد الطبيعية، تحتاج إلى حد أدنى من التجهيزات والخدمات، وهو ما يجعل من الضروري توجيه الاستثمار نحو المناطق الأكثر قابلية للاستغلال، دون الإخلال بالتوازن البيئي. وهنا، تتيح الخريطة أداة لاتخاذ القرار، من خلال تحديد المجالات ذات الأولوية، وتفادي الضغط على الأنظمة الواحية الهشة.
وعلاوة على ذلك، فإن المدخل الخرائطي يساهم في إبراز الطابع الشبكي لمجال الأطلس والواحات، حيث لا تفهم كل واحة أو موقع جبلي بشكل منفصل، بل كجزء من منظومة مترابطة يمكن توظيفها في بناء منتوج سياحي استشفائي متكامل. هذا التصور الشبكي يسمح بتوزيع الأدوار بين مختلف الوحدات المجالية، بحيث تتخصص بعض المناطق في العلاج الطبيعي، وأخرى في الإيواء، وأخرى في الخدمات، وهو ما يعزز من النجاعة الاقتصادية ويضمن استدامة الموارد.
في ضوء ذلك، يتضح أن دور المدخل الخرائطي في السياحة الاستشفائية لا يقتصر على التشخيص، بل يمتد إلى مستوى التخطيط والتوجيه، حيث يتيح فهما دقيقا للعلاقات المجالية، ويساعد على بناء رؤية استراتيجية قائمة على التكامل بين الجبل والواحة، وعلى استثمار الخصوصيات البيئية والثقافية لكل وحدة ترابية. وبذلك، يشكل هذا المدخل أساسا علميا ومنهجيا لتطوير سياحة استشفائية مستدامة في مجال الأطلس والواحات، قادرة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
- علاقة مناخ المنطقة بتوفير جو ملائم للسياحة الاستشفائية (حالة التساقطات المطرية)
المصدر https://www.academia.edu
يظهر ان المناخ هنا شبه جاف يصلح لقيام سياحة استشفائية تعتمد على خصوصيات ايكلوجية تربط المناخ بالعناصر الطبيعية الاخرى كالرطوبة و جودة الهواء...
خريطة الشبكة الهدروغرافية(المائية) بالجهة
المصدر https://www.academia.edu
يظهر أن المجاري المائية موسمية في غالبيتها (جريان متقطع) مما يجعل سكان الوحات قديما يلجؤون لطرق هندسية رائعة في استغلال وتسيير المياه كالخطارات و نظام السقي المتميز بالدقة حسب اوقات السنة وحسب توفر او قلة المياه.
من خلال تحليل هذه الخريطة، يمكن للمهندسين والجيولوجيين:
- توقع مواقع الينابيع: عبر تتبع نقاط التقاء الفوالق الكبرى مع الطبقات الكلسية.
- تحديد الخصائص المعدنية: نوع الصخور (مثل الصخور البركانية القديمة أو الرسوبية) يحدد نوع المعادن المذابة في العين (كبريت، صوديوم، كالسيوم)، وهو ما يعطي للعيون الساخنة في المنطقة قيمتها العلاجية.
صورة 1 حمامات استشفائية قرب مدينة الرشيدية
صورة 2 بيفواك في مرزوكة يطل على حمامات الرمل الاستشفائية
خلاصة:
يشكل المدخل الكارطوغرافي أداة تحليلية واستراتيجية أساسية في فهم وتطوير السياحة الاستشفائية، إذ يتجاوز دوره الوصف الجغرافي ليشمل تفسير توزيع الموارد الطبيعية وتحديد إمكانات الاستغلال السياحي داخل المجال. ومن خلال تطبيق هذا المدخل على مجال الأطلس والواحات بجهة درعة تافيلالت، يتبين أن هذا الفضاء يتميز ببنية مجالية متكاملة تجمع بين المرتفعات الجبلية والواحات، وهو ما يتيح تنوعاً في العروض الاستشفائية بين العلاج الطبيعي المرتبط بالمناخ الجبلي والاستجمام داخل المجالات الواحية.
كما يكشف التحليل الخرائطي عن وجود تباين في توزيع السكان والبنيات التحتية، حيث تتركز مظاهر الاستقرار والخدمات في الأحواض الواحية، مقابل مجالات جبلية وشبه جافة ذات كثافة ضعيفة لكنها غنية بمؤهلات بيئية علاجية. ويساهم هذا التوزيع في إمكانية بناء شبكة سياحية متكاملة تقوم على الربط بين مختلف الوحدات المجالية عبر محاور طرقية، مما يسمح بتصميم مسارات استشفائية متنوعة تعزز جاذبية المنطقة.
من جهة أخرى، تبرز الخرائط أهمية الموارد الطبيعية، خاصة المناخ وشبكة المياه، في دعم هذا النوع من السياحة، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة المياه وعدم انتظامها. كما تمكن من توجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر قابلية للتنمية، مع مراعاة التوازن البيئي وحماية الأنظمة الهشة.
بناءً على ذلك، يتضح أن المقاربة الكارطوغرافية تمثل إطاراً منهجياً ضرورياً لاتخاذ القرار في مجال السياحة الاستشفائية، من خلال توفير رؤية شمولية قائمة على التكامل المجالي، بما يساهم في تحقيق تنمية سياحية مستدامة تجمع بين البعد الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية.a
المراجع
- مونوغرافية جهة درعة تافيلالت
- المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بجهة درعة تافيلالت
- المندوبية الاقليمية للسياحة الرشيدية
- الحوض المائي: زيز غريس كير
- https://www.academia.edu
- عمل شخصي باستعمال SIG