**نساء الهامش بين الفقر والعنف المزدوج** قراءه في البُنى الاجتماعية والاقتصادية

**نساء الهامش بين الفقر والعنف المزدوج** قراءه في البُنى الاجتماعية والاقتصادية

**نساء الهامش بين الفقر والعنف المزدوج** قراءه في البُنى الاجتماعية والاقتصادية

المقدمة
تواجه النساء في البيئات الهامشية مجموعة من التحديات المتشابكة التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إذ يشكّل الفقر عاملًا بنيويًا يعمّق هشاشتهن، فيما يمثّل العنف القائم على النوع الاجتماعي امتدادًا لعدم المساواة المترسّخة. هذا التداخل ينتج ما يُعرف بـ العنف المزدوج؛ حيث تتعرض النساء للحرمان الاقتصادي وللممارسات العنيفة في آن واحد، ضمن سياقات تُعيد إنتاج الإقصاء عبر أطر مؤسسية واجتماعية.
يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لواقع نساء الهامش، وتفسير آليات العنف الذي يتقاطع مع الفقر، واقتراح مسارات لمقاربات أكثر عدالة في السياسات العامة.

أولًا: مفهوم الهامش وأبعاده
يشير مفهوم “الهامش” في الدراسات الاجتماعية إلى الفئات التي تُقصى عن مراكز الفرص والموارد والتمثيل. وقد يكون الهامش جغرافيًا (مناطق نائية)، أو اقتصاديًا (عمالة غير رسمية)، أو ثقافيًا (فئات محرومة من التعليم والتمكين).
تعيش النساء في هذه الفئات حالة مضاعفة من التهميش بسبب النوع الاجتماعي؛ إذ يتم وضعهن في موقع فرعي داخل البنية الاجتماعية، ما يجعلهن أكثر عرضة للحرمان من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والحماية القانونية.

ثانيًا: الفقر كعامل بنيوي لإنتاج الهشاشة
لا يُعد الفقر مجرد غياب للدخل، بل منظومة تفتقر فيها النساء إلى:

القدرة على الوصول إلى الموارد مثل التعليم وفرص العمل الآمن.

الاستقلال الاقتصادي الذي يمكّن المرأة من اتخاذ قرارات حياتية مستقلة.

الأمان الاجتماعي في ظل ضعف شبكات الدعم الرسمية وغير الرسمية.

وتُظهر الدراسات أن النساء الفقيرات يعملن غالبًا في قطاعات منخفضة الدخل وغير محمية قانونيًا، مثل العمالة المنزلية والبيع غير الرسمي. هذا الضعف الاقتصادي يزيد من احتمالية تعرّضهن للاستغلال والعنف، ويُبقيهن في دائرة الحاجة والاعتماد.

ثالثًا: العنف القائم على النوع الاجتماعي في البيئات الهامشية
يتخذ العنف الموجّه ضد المرأة أشكالًا متعددة في هذه السياقات، أبرزها:

العنف الأسري الناتج عن علاقات قوة غير متوازنة.

العنف الاقتصادي من خلال منعها من العمل أو السيطرة على دخلها.

العنف الاجتماعي المرتبط بالأعراف التي تقيّد حركتها وقراراتها.

التحرش والاستغلال في أماكن العمل غير الرسمية.

إن محدودية الوعي القانوني، وضعف الحماية المؤسسية، وغياب مراكز الدعم في المناطق المهمشة، تجعل من العنف ظاهرة صامتة يصعب الإبلاغ عنها.

رابعًا: العنف المزدوج… تفاعل الفقر والعنف
يمثل “العنف المزدوج” حالة تلازم بين:

الفقر كشرط يولّد التبعية الاقتصادية ويحدّ من خيارات المرأة.

العنف كأداة لإعادة إنتاج السيطرة الذكورية وتعزيز تبعيتها داخل الأسرة والمجتمع.

ويُظهر هذا التفاعل أن الفقر ليس سببًا مباشرًا للعنف، لكنه بيئة خصبة تضعف قدرة المرأة على المقاومة أو الانفصال عن المعتدي أو طلب الدعم المؤسسي. وفي المقابل، يؤدي العنف إلى تعطيل قدرة المرأة على العمل، مما يرسخ دائرة الفقر.

خامسًا: التمكين… مدخل لإنهاء الهشاشة البنيوية
لمعالجة العنف المزدوج، ينبغي تبني مقاربة متعددة المستويات تشمل:

1. السياسات الاقتصادية
تعزيز فرص العمل اللائق للنساء في القطاعات الهامشية.

دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

توفير برامج حماية اجتماعية تستهدف النساء الأشد فقرًا.

2. سياسات التعليم والوعي
تحسين جودة التعليم في المناطق الطرفية.

حملات توعية حول حقوق المرأة والتعامل مع العنف.

بناء قدرات القيادات النسائية المحلية.

3. الحماية القانونية والمؤسسية
إنشاء مراكز دعم في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة.

تفعيل آليات الإبلاغ عن العنف وتسهيل الوصول إلى العدالة.

تدريب الجهات المعنية على الاستجابة الحساسة للنوع الاجتماعي.

سادسًا: الهامش كمؤشر على غياب العدالة الاجتماعية
إن اتساع الهامش مؤشر على خلل بنيوي في توزيع الموارد والفرص. لا يمكن فصل معاناة المرأة في الأطراف عن سياسات التنمية غير المتوازنة، أو عن الخطاب الثقافي الذي يعيد إنتاج اللامساواة.
من منظور العدالة الجندرية، يصبح تمكين نساء الهامش ضرورة وطنية لا رفاهية؛ إذ إن تحسين أوضاعهن ينعكس على مستوى رفاه الأسرة، والتعليم، والصحة، والتنمية المجتمعية الشاملة.

الخاتمة
تكشف قراءة واقع نساء الهامش عن معادلة قاسية تتقاطع فيها الفقر البنيوي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في إطار يعمق الإقصاء ويحدّ من فرص التمكين. إن مواجهة العنف المزدوج تتطلب سياسات شاملة تعالج جذور اللامساواة، وتوفّر للنساء إمكانيات اقتصادية وقانونية تعيد لهن قدرتهن على اتخاذ القرار والعيش بأمان.
إن تمكين هذه الفئة لا يُعد خطوة نحو العدالة الجندرية فقط، بل نحو مجتمع أكثر اتساقًا وإنسانية، تُصبح فيه المرأة عنصرًا فاعلًا لا ضحية لظروف فرضتها بنى اجتماعية واقتصادية غير عادلة.